سيد محمد طنطاوي

59

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( بَغْياً بَيْنَهُمْ ) * مفعول لأجله ، والعامل فيه اختلف أي وما اختلفوا إلا للبغي لا لغيره قال القرطبي : « وفي الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى ، وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - الآية بهذا التهديد الشديد فقال : * ( ومَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّه فَإِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ) * . أي : ومن يكفر بآيات اللَّه الدالة على وحدانيته - سبحانه - فإن اللَّه محص عليه أعماله في الدنيا وسيعاقبه بما يستحقه في الآخرة . فقوله * ( فَإِنَّ اللَّه سَرِيعُ الْحِسابِ ) * قائم مقام جواب الشرط وعلة له ، أي : ومن يكفر بآيات اللَّه فإنه - سبحانه - محاسبة ومعاقبه واللَّه سريع الحساب . وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب ، وعلى العلم الكامل والقدرة التامة فهو - سبحانه - لا يحتاج إلى فحص وبحث ، لأنه لا تخفى عليه خافية . ثم لقن اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ما يرد به على أهل الكتاب إذا ما جادلوه أو خاصموه ليحسم الأمر معهم ومع غيرهم من المشركين وليمضى في طريقه الواضح المستقيم فقال - تعالى - * ( فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه ومَنِ اتَّبَعَنِ ) * . وقوله * ( حَاجُّوكَ ) * من المحاجة وهي أن يتبادل المتجادلان الحجة ، بأن يقدم كل واحد حجته ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعم أنه الحق الذي لا شك فيه . والمعنى : فإن جادلك - يا محمد - أهل الكتاب ومن لف لفهم بالأقاويل المزورة والمغالطات الباطلة بعد أن قامت الحجج على صدقك . فلا تسر معهم في لجاجتهم ، ولا تلتفت إلى أكاذيبهم ، بل قل لهم * ( أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّه ومَنِ اتَّبَعَنِ ) * أي أخلصت عبادتي اللَّه وحده ، وأطعته وانقدت له ، وكذلك من اتبعني وآمن بي قد أسلم وجهه اللَّه وأخلص له العبادة . والمراد بالوجه هنا الذات ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لأنه أشرف أعضاء الشخص ، ولأنه هو الذي تكون به المواجهة ، وهو مجمع محاسن الجسم فالتعبير به عن الجسم كله تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل . و * ( مَنِ ) * في قوله * ( ومَنِ اتَّبَعَنِ ) * في محل رفع عطفا على الضمير المتصل في * ( أَسْلَمْتُ ) * أي أسلمت أنا ومن اتبعني . وجاء العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد لوجود الفاصل بينهما . وقوله * ( وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ والأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ) * عطف على الجملة الشرطية ، والمراد بالأميين الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 44 .